في مشهدٍ دراماتيكي لم يكن ليتخيله اللبنانيون يوماً، يقبع الرجل الذي لُقّب لعقود بـ "ساحر المالية" و"حارس الليرة" خلف القضبان. حاكم مصرف لبنان السابق، الذي كان يوماً ما أحد أقوى رجالات الدولة وصندوق أسرار طبقتها السياسية، يجد نفسه اليوم في زنزانة، في تطور يعكس انقلاباً جذرياً في قواعد اللعبة اللبنانية. ولكن، هل يمثل هذا السجن بداية حقيقية للمحاسبة، أم أنه مجرد فصل جديد من فصول مسرحية سياسية تُضحي فيها المنظومة بأحد أبرز أذرعها لتنجو بنفسها؟ التطورات الأخيرة: بين السجن ومعركة الأمعاء الخاوية لم يقف المشهد عند حد التوقيف والإيداع في السجن، بل اتخذ منحىً أكثر تعقيداً مع توارد الأنباء عن امتناع الحاكم السابق عن تناول الطعام والدواء. هذه الخطوة التصعيدية من داخل السجن تفتح الباب أمام قراءات متعددة: رسالة ضغط للمنظومة:قد يكون هذا الامتناع بمثابة "جرس إنذار" يوجهه لحلفاء الأمس، مفاده: "لن أسقط وحدي". إنها محاولة أخيرة للتلويح بما يملكه من أسرار ووثائق قد تطيح برؤوس كبيرة إذا ما استمر تخلي السلطة عنه. الانهيار النفسي والجسدي:من قمة السلطة والهيمنة المطلقة على المقدرات المالية، إلى سجين مجرد من صلاحياته وألقابه. هذا السقوط الحر قد يكون دفع الرجل إلى حافة اليأس، مستخدماً صحته كآخر ورقة يمتلكها في مواجهة قدره الجديد. كبش فداءٍ أم شريك أصيل؟ لا يختلف اثنان على أن الانهيار المالي الذي دمر جنى أعمار اللبنانيين لم يكن ليحدث لولا السياسات النقدية والهندسات المالية التي هندسها حاكم المصرف. ومع ذلك، من السذاجة بمكان تبرئة الطبقة السياسية الحاكمة التي استفادت، وشرّعت، وغطّت هذه السياسات لعقود. هنا يبرز التساؤل الجوهري: هل يتم تقديم الحاكم كـ "كبش فداء" لامتصاص الغضب الشعبي والمطالبات الدولية بالمحاسبة؟ إن السلطة الفاسدة في لبنان أثبتت مراراً براعتها في إعادة تدوير نفسها. التخلص من حاكم المصرف قد يكون محاولة لغسل أيدي السياسيين من دم الاقتصاد اللبناني، وإيهام الداخل والخارج بأن "رأس الفساد" قد قُطع، بينما لا تزال أذرع الأخطبوط السياسي التي نهبت مقدرات الدولة حرةً طليقة، تعيد ترتيب أوراقها للمرحلة المقبلة. عبرةٌ لكل من يتماهى مع الفساد بغض النظر عن مآلات هذه القضية، فإن النهاية المأساوية لحاكم مصرف لبنان السابق تضع قاعدة ذهبية ودرساً قاسياً أمام كل موظف عام، صغر شأنه أم كبر: الغطاء السياسي وهمٌ مؤقت:مهما بلغت درجة حمايتك من قبل السياسيين، ومهما كنت مفيداً لتمرير صفقاتهم، سيأتي اليوم الذي تصبح فيه عبئاً عليهم. وعندما تحين لحظة الحساب، ستتخلى عنك المنظومة بلا تردد لتفتدي نفسها. التماهي مع الفساد جريمة لا تسقط: الانصياع للأوامر غير القانونية أو هندسة القرارات لخدمة الفاسدين ليس مجرد "تسيير أعمال"، بل هو تواطؤ وشراكة كاملة في الجريمة. النهاية الحتمية:التاريخ يثبت أن الأدوات تُستبدل، وأن من يرتضي أن يكون واجهة لفساد غيره، سيدفع الثمن وحيداً في النهاية، مجرداً من أي تعاطف شعبي. ## خلاصة إن سجن حاكم مصرف لبنان السابق، وامتناعه عن الطعام والدواء، ليس مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار، بل هو مشهد مكثف يلخص أزمة حكم وأخلاق في آن واحد. إنها رسالة صارخة بأن عجلة العدالة، حتى وإن بدت بطيئة أو مسيسة في بعض مراحلها، قادرة على طحن من اعتقدوا يوماً أنهم فوق القانون. ولكن، لكي لا تكون هذه القضية مجرد "تنفيسة" لغضب الشارع، يجب ألا يقف مسار المحاسبة عند أبواب المصرف المركزي، بل يجب أن يمتد ليطال كل من جلس على طاولات القرار، وكل من شرّع، وغطّى، واستفاد من هذا التماهي القاتل مع الفساد. حينها فقط، يصبح السجن عقاباً عادلاً، وليس مجرد مسرحية لتقديم كبش فداء جديد.